قصيدة ليس الغريب
لَيْسَ الغَريبُ غَريبَ الشَّأمِ واليَمَنِ
|
إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحدِ والكَفَنِ
| |
إِنَّ الغَريِبَ لَهُ حَقٌّ لِغُرْبَتـِهِ
|
على الْمُقيمينَ في الأَوطــانِ والسَّكَنِ
| |
سَفَري بَعيدٌ وَزادي لَنْ يُبَلِّغَنـي
|
وَقُوَّتي ضَعُفَتْ والمـوتُ يَطلُبُنـي
| |
وَلي بَقايــا ذُنوبٍ لَسْتُ أَعْلَمُها
|
الله يَعْلَمُهــا في السِّرِ والعَلَنِ
| |
مـَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَني
|
وقَدْ تَمـادَيْتُ في ذَنْبي ويَسْتُرُنِي
| |
تَمُرُّ سـاعـاتُ أَيّـَامي بِلا نَدَمٍ
|
ولا بُكاءٍ وَلاخَـوْفٍ ولا حـَزَنِ
| |
أَنَـا الَّذِي أُغْلِقُ الأَبْوابَ مُجْتَهِداً
|
عَلى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُنـي
| |
يَـا زَلَّةً كُتِبَتْ في غَفْلَةٍ ذَهَبَتْ
|
يَـا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلبِ تُحْرِقُني
| |
دَعْني أَنُوحُ عَلى نَفْسي وَأَنْدِبُـهـا
|
وَأَقْطَعُ الدَّهْرَ بِالتَّذْكِيـرِ وَالحَزَنِ
| |
كَأَنَّني بَينَ تلك الأَهلِ مُنطَرِحــَاً
|
عَلى الفِراشِ وَأَيْديهِمْ تُقَلِّبُنــي
| |
وَقد أَتَوْا بِطَبيبٍ كَـيْ يُعالِجَنـي
|
وَلَمْ أَرَ الطِّبَّ هـذا اليـومَ يَنْفَعُني
| |
واشَتد نَزْعِي وَصَار المَوتُ يَجْذِبُـها
|
مِن كُلِّ عِرْقٍ بِلا رِفقٍ ولا هَوَنِ
| |
واستَخْرَجَ الرُّوحَ مِني في تَغَرْغُرِها
|
وصـَارَ رِيقي مَريراً حِينَ غَرْغَرَني
| |
وَغَمَّضُوني وَراحَ الكُلُّ وانْصَرَفوا
|
بَعْدَ الإِياسِ وَجَدُّوا في شِرَا الكَفَنِ
| |
وَقـامَ مَنْ كانَ حِبَّ لنّاسِ في عَجَلٍ
|
نَحْوَ المُغَسِّلِ يَأْتينـي يُغَسِّلُنــي
| |
وَقــالَ يـا قَوْمِ نَبْغِي غاسِلاً حَذِقاً
|
حُراً أَرِيباً لَبِيبـاً عَارِفـاً فَطِنِ
| |
فَجــاءَني رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَرَّدَني
|
مِنَ الثِّيــابِ وَأَعْرَاني وأَفْرَدَني
| |
وَأَوْدَعوني عَلى الأَلْواحِ مُنْطَرِحـاً
|
وَصـَارَ فَوْقي خَرِيرُ الماءِ يَنْظِفُني
| |
وَأَسْكَبَ الماءَ مِنْ فَوقي وَغَسَّلَني
|
غُسْلاً ثَلاثاً وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِ
| |
وَأَلْبَسُوني ثِيابـاً لا كِمامَ لهـا
|
وَصارَ زَادي حَنُوطِي حيـنَ حَنَّطَني
| |
وأَخْرَجوني مِنَ الدُّنيـا فَوا أَسَفاً
|
عَلى رَحِيـلٍ بِلا زادٍ يُبَلِّغُنـي
| |
وَحَمَّلوني على الأْكتـافِ أَربَعَةٌ
|
مِنَ الرِّجـالِ وَخَلْفِي مَنْ يُشَيِّعُني
| |
وَقَدَّموني إِلى المحرابِ وانصَرَفوا
|
خَلْفَ الإِمـَامِ فَصَلَّى ثـمّ وَدَّعَني
| |
صَلَّوْا عَلَيَّ صَلاةً لا رُكوعَ لهـا
|
ولا سُجـودَ لَعَلَّ اللـهَ يَرْحَمُني
| |
وَأَنْزَلوني إلـى قَبري على مَهَلٍ
|
وَقَدَّمُوا واحِداً مِنهـم يُلَحِّدُنـي
| |
وَكَشَّفَ الثّوْبَ عَن وَجْهي لِيَنْظُرَني
|
وَأَسْكَبَ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنيهِ أَغْرَقَني
| |
فَقامَ مُحتَرِمــاً بِالعَزمِ مُشْتَمِلاً
|
وَصَفَّفَ اللَّبِنَ مِنْ فَوْقِي وفـارَقَني
| |
وقَالَ هُلُّوا عليه التُّرْبَ واغْتَنِموا
|
حُسْنَ الثَّوابِ مِنَ الرَّحمنِ ذِي المِنَنِ
| |
في ظُلْمَةِ القبرِ لا أُمٌّ هنــاك ولا
|
أَبٌ شَفـيقٌ ولا أَخٌ يُؤَنِّسُنــي
| |
فَرِيدٌ وَحِيدُ القبرِ، يــا أَسَفـاً
|
عَلى الفِراقِ بِلا عَمَلٍ يُزَوِّدُنـي
| |
وَهالَني صُورَةً في العينِ إِذْ نَظَرَتْ
|
مِنْ هَوْلِ مَطْلَعِ ما قَدْ كان أَدهَشَني
| |
مِنْ مُنكَرٍ ونكيرٍ مـا أَقولُ لهم
|
قَدْ هــَالَني أَمْرُهُمْ جِداً فَأَفْزَعَني
| |
وَأَقْعَدوني وَجَدُّوا في سُؤالِهـِمُ
|
مَـالِي سِوَاكَ إِلهـي مَنْ يُخَلِّصُنِي
| |
فَامْنُنْ عَلَيَّ بِعَفْوٍ مِنك يــا أَمَلي
|
فَإِنَّني مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهــَنِ
| |
تَقاسمَ الأهْلُ مالي بعدما انْصَرَفُوا
|
وَصَارَ وِزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأَثْقَلَني
| |
واستَبْدَلَتْ زَوجَتي بَعْلاً لهـا بَدَلي
|
وَحَكَّمَتْهُ فِي الأَمْوَالِ والسَّكَـنِ
| |
وَصَيَّرَتْ وَلَدي عَبْداً لِيَخْدُمَهــا
|
وَصَارَ مَـالي لهم حـِلاً بِلا ثَمَنِ
| |
فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيــا وَزِينَتُها
|
وانْظُرْ إلى فِعْلِهــا في الأَهْلِ والوَطَنِ
| |
وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْيا بِأَجْمَعِها
|
هَلْ رَاحَ مِنْها بِغَيْرِ الحَنْطِ والكَفَنِ
| |
خُذِ القَنـَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بِها
|
لَوْ لم يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
| |
يَـا زَارِعَ الخَيْرِ تحصُدْ بَعْدَهُ ثَمَراً
|
يَا زَارِعَ الشَّرِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الوَهَنِ
| |
يـَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ العِصْيانِ واكْتَسِبِي
|
فِعْلاً جميلاً لَعَلَّ اللهَ يَرحَمُني
| |
يَا نَفْسُ وَيْحَكِ تُوبي واعمَلِي حَسَناً
|
عَسى تُجازَيْنَ بَعْدَ الموتِ بِالحَسَنِ
| |
ثمَّ الصلاةُ على الْمُختـارِ سَيِّدِنـا
|
مَا وَصَّـا البَرْقَ في شَّامٍ وفي يَمَنِ
| |
والحمدُ لله مُمْسِينَـا وَمُصْبِحِنَا
|
بِالخَيْرِ والعَفْوْ والإِحْســانِ وَالمِنَنِ
|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق